ابن أبي العز الحنفي
255
شرح العقيدة الطحاوية
فهذا سؤال فاسد ! وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه ، كفرض وجود الابن . بدون الأب . والحركة بدون المتحرك ، والتوبة بدون التائب . فإن قيل : فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم ، فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه ، أم هي مسخوطة من جميع الوجوه ؟ هذا السؤال يرد على وجهين : أحدهما : من جهة الرب تعالى ، وهل يكون محبّا لها من جهة إفضالها إلى محبوبه ، وان كان يبغضها لذاتها ؟ والثاني : من جهة العبد ، وهو أنه هل يسوغ له الرضى بها من تلك الجهة أيضا ؟ فهذا سؤال له شأن . فاعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم ، أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه ، وهو من هذه الجهة شر ، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه . مثاله : أن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة ، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها ، فإنها خلقت في الأصل متحركة ، فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به ، وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه . وحركتها من حيث هي حركة : خير ، وإنما تكون شرّا بالإضافة ، لا من حيث هي حركة ، والشر كله ظلم ، وهو وضع الشيء في غير محله ، فلو وضع في موضعه لم يكن شرا ، فعلم أن جهة الشر فيه نسبية إضافية . ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالها خيرا في نفسها ، وإن كانت شرّا بالنسبة إلى المحل الذي حلّت به ، لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة مستعدة له ، فصار ذلك الألم شرّا بالنسبة إليها ، وهو خير بالنسبة إلى الفاعل حيث وضعه في موضعه ، فإنه سبحانه لم يخلق شرّا محضا من جميع الوجوه والاعتبارات ، فإن حكمته تأبى ذلك . فلا يكون في جناب الحق تعالى أن يريد شيئا يكون فسادا من كل وجه ، لا مصلحة في خلفه بوجه ما ، هذا من أبين المحال ، فإنه سبحانه الخير كله بيديه ، والشر ليس إليه ، بل كل ما إليه فخير ، والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه ، فلو كان إليه لم يكن شرّا ، فتأمله . فانقطاع نسبته إليه هو « 253 » الذي صيره شرّا . فإن قيل : لم تنقطع نسبته إليه خلقا ومشيئة ؟ قيل : هو من هذه الجهة ليس
--> ( 253 ) في أصل مخطوطتنا : هذا . وله وجهه غير أن هذا أوضح .